صناعة التشيع: رهانات التغلغل المذهبي الإيراني في إفريقيا

انحراف إيران إلى التشيع الصفوي وتصدير الثورة وخلط الديني بالقومي، لعب دورا كبيرا في خروجها من دائرة النسق الإقليمي الذي كان من المنتظر أن يوفر لها حاضنة تساعد على إعادة إدماجها في الحظيرة الدولية. ثم استفحل الوضع مع تصدير نظامها السياسي أزماته الداخلية إلى دول الجوار. ووجد في تعِلّة ترويج المظلومية التاريخية وسيلة لاختراق شيعة العرب وجمعهم حوله لممارسة نفوذ إيران خارج حدودها. ومن ثم، حاولت طهران ممارسة الوصاية عليهم بتبني خطاب دغمائي يستخدم أدوات دعائية من أجل تحقيق أهداف جيوسياسية لصالح نظام ثيوقراطي يحلم بتغيير معادلات النفوذ والسلطة في المنطقة العربية والإفريقية. تواكب ذلك مع إحياء آفة التناحر البغيضة المرتبطة بالجدالات العقيمة عن أسباب موت الحسين ويوم الجَمَل منذ قرون تارة، وتحت شعار حماية المستضعفين تارة أخرى.  فما هي المحاور التي تتحرك عليها إيران في إفريقيا؟ وكيف ترسم هذه السياسات؟ وما هي ملامحها؟ وعلى ماذا تقوم؟

أبعاد مذهبية وأهداف سياسية

بإمعان النظر، امتدت هذه السياسة مع وكلائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن لابتزاز العالم العربي مذهبيا، وتقسيم مكوناته بتصدير أزماتها الداخلية إليه. ويتضح ذلك اليوم في إفريقيا بالتركيز على دعاوي التطرف السني ومكافحة الإرهاب. فمنذ حصول إيران على صفة عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي بعد انعقاد القمة الإفريقية- الإيرانية في عام 2001، لم تدخر جهدا لضرب العلاقة التاريخية التي ربطت الأفارقة بالعرب، في بعديها الديني والجيوسياسي. وبالتالي، كان الهدف هو النيل من تلك العلاقة بضرب اللحمة الدينية التي حفظت تماسك هذه الشعوب ثقافيا ورمزيا. وهو ما تجلى في إحياء الصراع المذهبي.

 ركزت إيران على تغيير ملامح الخريطة الدينية في إفريقيا واختراقها بتحويل الشباب السني إلى المذهب الشيعي الإثنى عشري، بحيث لم يعد خافياً أن التشيع في إفريقيا أصبح يُنذر بإمكانية اندلاع صراعات ذات طابعٍ مذهبيٍّ بين السنّة والشيعة، لا سيما مع انتشار النزاعات والحروب الطائفية والعرقية.

تاريخيا، مارست القيم الإسلامية تأثيرا كبيرا في الذاكرة الإفريقية الجماعية، لما تمثله من إرث ثقافي ظل حاضرا في وجدان الأفارقة وممارساتهم وتقاليدهم وأعرافهم منذ قرون. وكان للحضور الديني بتنوع تياراته وتعدد مذاهبه الإسلامية، سمة بارزة وبعد أساسيا في سيرورة الشعوب التاريخية، وجعل هذه العلاقة محورية. غير أن المهم  ليس سعي إيران إلى إقامة علاقة، ولا حتى الدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، فهذا حق مشروع لكل الدول ، لا ينازع فيه أحد، بل  الأمر الخطير هو أن تستخدم مذهبها الرسمي في ضرب المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والدينية العربية في إفريقيا، وتستغل إشعاع الدين الإسلامي في القارة في اتجاه الادعاء أنها هي تمثل الإسلام الصحيح . كل ذلك مع محاولة تجيير أقنعة التمدد الشيعي الذي تقف وراءه دوافع سياسية صانعة للأزمات، ولا تخل من أهداف البحث عن نفوذ في الخارج دون احترام للخصائص والميزات القومية واللغوية والثقافية وسيادة تلك الدول.

محاولة بعث الإرث الشيعي في شمال إفريقيا

على هذا الأساس، يمكن القول بأن أول خطوة في هذه السياسة الخارجية قامت على محاولة بعث الإرث الشيعي في شمال إفريقيا من رماده، بإحياء وتمجيد الخلافة الفاطمية الممتدة بين 909 و1171.  تعتبر إيران التربة الجغرافية خصبة لاستغلال حب السكان لآل البيت، لكن آثار الشعور باحترام وحب آل البيت، إن كان حاضرا وما يزال بقوّة، فهو بطبيعة الحال مخالفً لما هو متّبع لدى الشيعة. ومن ثم، كانت محاولة أخرى تدعي العمل على تقريب المذاهب الإسلامية، تخللها محاولات تقريب بين المراجع الشيعية والمشايخ الصوفية لتمرير أفكارها في كل من المغرب العربي وإفريقيا الغربية.

 علاوة على ذلك، قامت بمحاولة خلق تماه مصطنع بين اللغة الفارسية واللغة السواحلية في شرق إفريقيا، باللعب على تأثر اللغة السواحلية بالعديد من المفردات الفارسية ونكران أي دور للغة العربية، في كينيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا وبوروندي والصومال وموزمبيق ومالاوي.  أضف إلى ذلك إحياء العلاقة مع الطائفة الشيعية المعروفة تاريخيا بالخوجة، وهي التي قدمت من الهند (عبر مؤسسة الخوجة العالمية للشيعة الإثنى عشرية)، واستقرت في شرق إفريقيا وجنوبها، ثم حاولت إرساء حضور قوي داخل أوساط المهاجرين اللبنانيين الشيعة وتسخيرهم كوقود لسياستها في إفريقيا الغربية.

نشر التشيع في إفريقيا

تم التركيز على مختلف هذه العناصر المرتبطة بالمذهب الشيعي واستغلالها منذ ثورة الخميني لدعم التوسع الإيراني. كانت إيران بتركيزها على البعد الديني في العلاقات الإيرانية- الإفريقية تريد عدم إخضاع علاقتها مع الأقليات الشيعية في القارة لفواصل جغرافية وحدود سياسية معينة. وبالتالي، يفهم التركيز على شرق القارة كمحاولة يائسة لتطويق السعودية جنوبا وتتمة لاستكمال التغلغل الإيراني في اليمن. من هنا، لا بد أن ندخل في الحساب، أن البعد الديني المذهبي في السياسة الخارجية الإيرانية يهدف إلى تحقيق نتائج جيوسياسية في مغرب وشمال وشرق وغرب القارة.  وهما ليسا منفصلين بل متكاملان. فالبعد المذهبي يدخل في مهام التشكيل الثقافي والرمزي، وبذلك لا يتم النظر إلى المذهب الشيعي كرافد إسلامي، بل أسلوبا وغطاء تقحمه السياسة الخارجية الإيرانية مع أدواتها السياسية والاقتصادية والثقافية لضرب التواجد الإسلامي السني في القارة، هذا بالرغم من التباعد الجغرافي- الديني بين إيران والقارة السمراء.

دور المنظمات الدعوية والخيرية

 كان الطرف الأكثر فعالية في ذلك عدة منظمات دعوية وخيرية مثل منظمة الخميني الخيرية، والرابطة العالمية لأهل البيت، ورابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية، والمؤسسة الإسلامية، ومؤسسة المجمع العالمي لأهل البيت، والجمعية الإسلامية الاجتماعية، ومنظمة التبليغ الإسلامية كأدوات مختصة لنشر التشيع وكسب الولاء والتأييد. وهي أشبه بوكالات تنظم وتسهر على التبشير المذهبي المنظم، بالإضافة إلى اعتماد بعض من أعضاء الجالية اللبنانية الشيعية كرأس حربة، لما تملكه من تأثير كبير في اقتصاديات كل من ساحل العاج، وسيراليون والسنغال ونيجيريا، للتخفيف من آثار الحصار الاقتصادي عليها.

وهذا ما نجم عنه كم من الأزمات أدت إلى الكراهية المذهبية في العديد من الدول الإفريقية بالرغم من أن الأقليات الشيعية لا تتعدى في الغالب نسبة 5% من مجموع السكان.   ارتكزت هذه السياسة الدينية على كسب دعم شعبي للتحريض على العرب، والوقوف في وجه الإجراءات العقابية الأمريكية. إلا أنها كانت تهدف إلى أن تجعل منها أقليات نشيطة لها شبكات ودوائر تتحرك من خلالها لاستقطاب النخب وجعل تأثيرها أقوى لدى الرأي العام المحلي. و بهذا المعنى تفهم أهداف التأثير الذي مارسته طهران سابقا في كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن، ومحاولتها أيضا أن تفرض نفسها كوصية على شيعة أذربيجان وأفغانستان وباكستان والبحرين، بشعارها الرسمي: << لا شرقية، لا غربية، جمهورية إسلامية>>.

الصومال

 التشيع في الصومال تم بواسطة مؤسسة الهلال الأحمر الإيراني ومؤسسة الخميني الخيرية، اللتين وظفتا تداعيات الحرب الأهلية للتغلغل في النسيج الصومالي عبر المساعدات الإنسانية بعد أن مرت البلاد بظروف مدمرة لبنياتها التحتية الصحية. إلا أن أحوال الحرب الأهلية فتحت الباب أمام مصراعيها في وجه هذه المؤسسات. ثم قامت إيران باللعب على ساحة التناقضات الداخلية بمحاولة التقرب من الطرق الصوفية واستخدامها ضد السلفية. وكان ذلك سببا لتعميق الشرخ ورفع حدة التوترات بين الصوماليين الذين لم يكن ينقصهم أصلا المزيد، بخاصة أن المكون الزيدي من الثقافة الصومالية كان قد تم استيعابه و تذويبه في المكون العام المحلي الصومالي ثقافيا وعرقيا ومذهبيا. إلا أن المحاولات الإيرانية اتجهت إلى  إحيائه وإبرازه من جديد. وهو سعي يوجهه العداء للإرث السني في نسخته الشافعية بالمجمل، ومن ثم تم بث الفرقة الدينية. ولم تكتف بذلك، بل حاولت دعم تيارات صوفية مسلحة متطرفة لضرب الوجود العربي. ومن ثم، يبدو أن سياسة إيران الخارجية في الصومال لا تتورع عن استخدام بعض التيارات السنية المتطرفة نفسها كأذرع لها، إذا رأت في ذلك ما يخدم مصالحها في القرن الإفريقي.

جيبوتي وكينيا

أما أنشطة التشيع في جيبوتي، فإن أبرز من يمثلها “مجموعة المستبصرين”. وهي أول خلية شيعية جيبوتية يقودها المدعو عبد الرحمن آدن ورسمة. ومن أهدافها <<نشر المؤلفات والكتب الشيعية إلى اللغات المختلفة (الفرنسية، الصومالية، العفرية) وإحياء المناسبات المختلفة>>

. كما تم التركيز في شرق القارة  أيضا على كينيا، حيث يشير الدكتور محمد عثمان من مركز الدراسات الشرقية والإفريقية ومجلس علماء كينيا إلى تمركز نشاطات المذهب الشيعي في مدينتي لامو ، و ماتندوني، وجزر فازا الشرقية، فيما تحتضن مدينة قارسين، و مالندى، و مومباسا، و شيموني، ومانوفا عدة مدارس ومراكز ثقافية وأوقافا.و يوجد في العاصمة نيروبي العديد من المراكز والمدارس أيضا، بالإضافة إلى المركز الثقافي الإيراني الذي يصدر المركز العديد من المجلات. ومن أهمها رسالة التقريب ومجلة التوحيد ورسالة الثقلين ومجلة الهدى للأطفال. كما أن للشيعة نشاطا ملحوظا في ريروتا، وميروا، ومنطقة ناكورو  التي تضم مركزا لتكوين الدعاة، بخاصة عبر مركز الرسول الأكرم الذي يضم مدرسة وثانوية، بالإضافة إلى مركز بلال وهو المقر الرئيسي للشيعة في المنطقة، ومركز الإمام الأعظم، ومركز بحيرة ناكورو، ومركز روندة لنشر الفكر الشيعي.

بقلم/ د. حسن مصدق

10 أبريل/نيسان 2020

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s