الحضور الإيراني في شرق إفريقيا.

تُولي إيران أهمية خاصة لدول إفريقيا الشرقية، وترى فيها ساحة واسعة وخصبة للقيام بنشاطات سياسية وعسكرية واقتصادية، ولا سيما الدول التي تطل على ساحل البحر الأحمر. وشكّلت القارة الإفريقية هدفاً ثابتاً في السياسية الخارجية الإيرانية منذ استقلال هذه الدول، وأقامت طهران علاقات دبلوماسية مع دول القارة، لكن هذه العلاقة تراجعت مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، واستمر هذا الضعف حتى عقد التسعينيات من القرن الماضي الذي شهد بعض الانفتاح في السياسية الخارجية الإيرانية على المستويات الدولية، والقاريّة. وبوصول التيار الإصلاحي إلى السلطة بقيادة الرئيس الأسبق محمد خاتمي في عام 1997، اتجه النظام الإيراني إلى تنشيط سياسته في إفريقيا، وذلك في ظل السياسة البراغماتية المنفتحة نسبيًا التي انتهجتها حكومة الرئيس خاتمي.

وتعاظم الاهتمام الإيراني في فترة ولاية الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي وضع القارة الإفريقية على سلم أولوياته الخارجية، وأعدت لها أهدافاً سياسية وعسكرية وثقافية. ونظراً للضغوط الغربية والأمريكية على إيران بسبب برنامجها النووي، انتهجت السياسة الخارجية الإيرانية إستراتيجية جديدة، تسعى من خلالها لتوطيد العلاقات مع دول القارة الإفريقية، وذلك لتحشد دعم دبلوماسي إفريقي في أروقة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن؛ لكسر طوق العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة آنذاك.

طبيعة وشكل الحضور الإيراني في دول شرق إفريقيا

تتجسّد طبيعة وشكل الحضور الإيراني في دول شرق إفريقيا من خلال البعثات الدبلوماسية المنتشرة في معظم هذه الدول، وملحقاتها الثقافية، والمراكز الدينية والدعوية والإغاثية التي تتبع إما تلك السفارات أو الحكومة الإيرانية مباشرة، وتنهض كلها بدور التغلغل في المنطقة. ويتخذ الحضور الدبلوماسي الإيراني في دول المنطقة أشكالًا عدة:

التمثيل الدبلوماسي

يعدّ التمثيل الدبلوماسي الرسمي في دول شرق إفريقيا البوابة الرئيسة لإيران لتمرير أنشطتها السياسية والثقافية والدينية. وتمتلك إيران سفارات وبعثات دبلوماسية في 9 دول من أصل 18 دولة في شرق إفريقيا. وهي: أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي، مدغشقر، كينيا، إثيوبيا، جزر القمر، جمهورية الكونغو الديمقراطي، وغانا.

ولم تكتف إيران بالتمثيل الدبلوماسي الرسمي، بل سعت أيضاً إلى مد الجسور مع المنظمات الإقليمية في المنطقة؛ حيث عينت إيران محسن موحدي سفيرها في تنزانيا في عام 2011، ممثلاً لها لمجموعة شرق أفريقيا (EAC)، وهي منظمة تضم ستة دول من شرق إفريقيا هي: بروندي وكينيا وأوغندا وروندا وتنزانيا وجنوب السودان.  وقد أعرب ريتشارد سبيزا أمين عام مجموعة دول شرق إفريقيا عن رغبة وتطلع دول المجموعة إلى العمل مع إيران لدفع أوجه التعاون بينهما.

الزيارات الدبلوماسية

تمثل الزيارات الدبلوماسية المتبادلة بين المسؤولين الإيرانيين ونظرائهم من دول شرق إفريقيا عاملاً أساسياً يؤكد مدى الانفتاح الإيراني على منطقة شرق إفريقيا. وقد بدأ هذ الانفتاح في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني؛ إذ كانت زيارته عام 1996 حدثاً محورياً بالنسبة للمنطقة، وكانت إيران تتحرك آنذاك وفقاً لفلسفة “سياسة البناء” التي أطلقها رفسنجاني. وقام رفسجاني بزيارة أوغندا وعقد خلالها عدة اتفاقيات للتعاون في مجال التجارة والاقتصاد والاستثمارات المشتركة في مجالات الزراعة، والكهرباء، والمياه، والمعادن، والنفط، والبريد، والاتصالات والنقل، والتعليم. وقام خليفتاه محمد خاتمي ومحمود أحمدي بزيارة أوغندا، وهو ما يدل على أهمية أوغندا في الاستراتيجية الإيرانية، لامتلاك نفوذ قوي في شرق أفريقيا. وفي المقابل، قام الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بزيارة إيران أربع مرات في السنوات العشرين الماضية، كانت آخرها في أغسطس 2012، أثناء عقد مؤتمر حركة عدم الانحياز في طهران.

وخلال عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، أجرى رئيس الوزراء الكيني رايلا اودينجا زيارة إلى طهران في مارس 2011، وقابل أحمدي نجاد، وقال إن إيران وكينيا لديهما مجالات واسعة للتعاون، وأنهما حريصتان على تعزيز التعاون بينهما، خاصة في ضوء التطورات العالمية الجارية.

قام النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي في مايو 2012، بجولة إفريقية استمرت خمسة أيام، شملت كينيا وتنزانيا وإقليم زنجبار. وأسفرت هذه الزيارة عن توقيع إيران وكينيا ثلاث مذكرات تفاهم، بهدف تنمية العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين البلدين، وتعزيزها لمجال الجمارك وقطاع الكهرباء، ونقل المياه والحد من الازدواج الضريبي.

في السودان كان الوضع مختلفاً بعض الشيء، فنتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على كل من إيران والسودان، اتسمت علاقاتهما بالتقارب، فشهدت العاصمة السودانية استقبال رؤساء الجمهورية الايرانية بدءا من رفسجاني وخاتمي وصولاً إلى أحمدي نجاد. كما قام وزير الدفاع السوداني بزيارة إيران في 2007، وصرح بأن إيران كانت من المزودين الرئيسين للسودان بالسلاح لمواجهة حركات التمرد.

وفي إريتريا، مثلت زيارة الرئيس الإريتري أسيساي أفورقي إلى طهران في مايو 2009، معالم جديدة في العلاقات بين الدولتين، وصرح الرئيس الإيراني وقت ذاك، أحمدي نجاد، أن بلاده تريد تعزيز التعاون في مجال الاقتصاد والطاقة والزراعة والصناعة والاستثمار.

وقام الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بزيارة إلى العديد من دول شرق إفريقيا، منها جزر القمر وجيبوتي وكينيا في فبراير عام 2009، وخلال تلك الزيارة أكد أحمدي نجاد رغبة إيران في مساعدة الدول الإفريقية على تقوية استقلالها، وتكوين جبهة متحدة ضد النفوذ الغربي.

ومن خلال الزيارات المتكررة لمسئولين إيرانيين كبار، تسعى طهران إلى إيجاد موطئ قدم ثابت لها في أثيوبيا، يساندها في ذلك التعاون الاقتصادي الذي وصل حجمه إلى 35 مليون دولار عام 2007، بعد أن كان 19 مليون دولار عام 2004. ويعد حضور مساعد وزير الخارجية الإيراني السابق حسين أمير عبد الله يان للقمة الإفريقية المنعقدة في أديس بابا عام 2015، أبرز مظاهر الاهتمام الإيراني الملحوظ بأثيوبيا؛ حيث نتج عنها اتفاقيات شملت التعاون الاقتصادي بين الجانبين، ولا زالت إيران تدعو إلى زيادة استثمار مواطنيها في إثيوبيا لتحقيق مزيد من التعاون بين البلدين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s